تلفت وزارة الخارجية الأوكرانية مجددًا انتباه المجتمع الدولي إلى الانتهاكات الجسيمة والمنهجية والمستمرة لحرية الدين في الأراضي الأوكرانية التي تحتلها مؤقتًا روسيا الاتحادية.
لقد قامت الدولة الروسية، بالتعاون مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وباستهتار سافر بمبادئ القانون الدولي، بفرض نظام قمعي في الأراضي الأوكرانية المحتلة يستهدف الطوائف الدينية، ويهدف إلى القضاء على التنوع الديني والهوية الروحية الأوكرانية.
تحت غطاء ما يسمى "النظام الكنسي"، تقوم الإدارة الاحتلالية بإخضاع الطوائف الدينية المستقلة قسرًا للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وتضطهد رجال الدين والمؤمنين، وتدمّر المباني الكنسية، وتفرض أيديولوجيا ما يُعرف بـ"العالم الروسي".
وتقوم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بتنفيذ سياسة الكرملين العدوانية، لتصبح أداة في تدمير الهوية الأوكرانية.
وقد طال القمع ممثلي الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، والطوائف البروتستانتية، والكنيسة الكاثوليكية اللاتينية والبيزنطية، والمنظمات الإسلامية، فضلًا عن رجال الدين التابعين للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الذين لا يوالون النظام الاحتلالي. وقد تم تلفيق قضايا جنائية ضدهم، وتنفيذ مداهمات، وممارسة التهديدات والعنف الجسدي.
فعلى سبيل المثال، في آب 2024، حكمت محكمة احتلالية مزعومة في الأراضي الأوكرانية المحتلة بالسجن 14 عامًا على كاهن الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية كوستيانتين ماكسيموف بتهمة تجسس ملفقة، وذلك بعد رفضه تسليم رعيته للكنيسة الأرثوذكسية الروسية.
وبحسب ما ورد في بيان رئيس التحالف الدولي من أجل حرية الدين والمعتقد (Article 18 Alliance – IRFBA)، سفير جمهورية التشيك روبرت ريهاك، بتاريخ 24 شباط 2025، فقد قتلت القوات الروسية منذ بداية الغزو الشامل 67 رجل دين من طوائف مختلفة في أوكرانيا، ودمّرت أو ألحقت أضرارًا بأكثر من 640 مكانًا للعبادة، بينها 596 كنيسة مسيحية.
وفي الأراضي المحتلة مؤقتًا، تلاحق روسيا بشكل منهجي جميع التنظيمات الدينية غير الخاضعة لبطريركية موسكو. فقد ضمّت روسيا قسرًا ثماني أبرشيات تابعة للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، تشمل أكثر من 1600 رعية و23 ديرًا، وأغلقت جميع تجمعات الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية في القرم، ودمّرت في حزيران 2024 آخر كنيسة تابعة لهذه الكنيسة على شبه الجزيرة.
كما تتعرض الأقليات الدينية الأخرى للقمع. ففي 14 كانون الثاني 2025، حكمت "محكمة منطقة غاغارين" المزعومة في سيفاستوبول على اثنين من أعضاء طائفة "شهود يهوه"، هما فيكتور كودينوف وسيرهي جيغالوف، بالسجن 6 سنوات بتهمة "تنظيم أنشطة منظمة متطرفة".
وحتى شباط 2025، لا يزال ما لا يقل عن 14 من شهود يهوه مسجونين في القرم، رغم أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اعتبرت حظر هذه المنظمة في روسيا وفي الأراضي الأوكرانية المحتلة مخالفًا للقانون.
وبحسب المعلومات المتوفرة، تحتجز القوات الروسية أكثر من 30 رجل دين بشكل غير قانوني.
في 22 نيسان 2024، استولت القوات الروسية في مدينة بيرديانسك المحتلة مؤقتًا على كنيسة الميلاد الكاثوليكية، واختطفت كاهنيها. وفي ماريوبول، اعتقل المحتلون القس ميخايلو ريزنيكوف. كما قضى القس أناتولي فولوشين أكثر من 300 يوم في الأسر الروسي.
وقد وثقت بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا، في تقريرها الحادي والأربعين، حالات تعذيب وسوء معاملة بحق كهنة كاثوليك يونانيين احتجزتهم سلطات الاحتلال الروسي منذ تشرين الثاني 2022 في مرافق احتجاز داخل إقليم دونيتسك المحتل.
وفي كانون الأول 2024، أشارت بعثة الأمم المتحدة إلى أن ممثلي طوائف دينية مختلفة ما زالوا يتعرضون للملاحقة الجنائية، والأحكام القاسية الصادرة عن محاكم الاحتلال على خلفية أنشطتهم الدينية.
وفي 25 آذار 2025، أوصت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية (USCIRF) في تقريرها لعام 2024 بالإبقاء على روسيا ضمن قائمة "الدول المثيرة للقلق الخاص" (Countries of Particular Concern) بسبب انتهاكاتها الجسيمة والمنهجية لحرية الدين، بما في ذلك في الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتًا.
تعرب وزارة الخارجية الأوكرانية عن امتنانها للشركاء الدوليين على تقييماتهم الموضوعية لحالة حقوق الإنسان في الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتًا، خصوصًا في مجال حرية الضمير والدين، كما هو مكفول في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ندعو المجتمع الدولي إلى إدانة الجرائم الروسية على الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتًا، وتعزيز الضغط على دولة العدوان، وتكثيف الجهود لمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والقمع ضد الطوائف الدينية الأوكرانية.
ونتوجه بندائنا هذا إلى جميع الكنائس والطوائف والمؤمنين حول العالم، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية، وندعوهم إلى الالتفات إلى الاضطهاد الوحشي الذي تمارسه روسيا ضد أشخاص عاديين لا يشكلون أي خطر على أحد، بل يريدون فقط الإيمان بالله والصلاة، وممارسة حقهم في حرية الضمير والمعتقد.
ونناشد كل من يقدّر الحقوق الإنسانية الأساسية في العالم ألا يبقى صامتًا أمام هذه الجرائم بحق الإيمان والمؤمنين، لأن الصمت لا يؤدي إلا إلى تقوية الشر ومنحه شعورًا بالإفلات من العقاب. بل ندعو إلى توحيد الجهود ومقاومة الشر – بالكلمة، وبالفعل.